23‏/03‏/2009

عــــــــوده

وعندما تفترش مؤخرته العريضة حنايا وأضلع كرسيه الضئيل ، وعندما يئن كلاهما من موازين شحمه ، تعلم الفرقة أن عمل العرق على جبينها قد حان ، تتمايل متدليات الراقصة في دلالٍ بخسٍ مفعِّلة أثر اعوجاج اسمها في جسدها وحركاته ، تتلفت خلفها وهي تعدل من التصاق مشدَّة صدرها بإبهامين وسبابتين متمرسين وزوج بارق من الصاجات وباستئذان كريه تنظر إليه ، يرمي لها اتكاء رأسه سامحا ببدء الارتعاش ، تتنهد بحرقة وتشير لطبالها فينفك أسر الفرقة أجمعين ويبدأ الجمهور بالنباح : دلااال ، دلاااال ، دلااااال .. فيفتعل سعالا ما ويبصق أرضا ناحيتهم .
لم يـُستَطَعْ الاستغناء عنه أبدا في البار ، ربما الراقصات يذهبن إن أردن ، بل هن دائما كذلك ، ترحل دلال وتجيء دلال أخرى ، يصر أن يدعوها دلال دائما تيمنا بساقطة غرامه الأولى ، يتذمر الطبال عجرفته أحيانا ، يشكوا سبابه الناياتي لصاحب البار أحيانا أخرى ، تغادر دلال أو الناياتي أو القانونجي أو جميعهم ، يأتي غيرهم دائما ، لكنه لم يبرح كرسيه الضئيل هذا أبدا .
يدعونه الملك ، لم يجارِ أصابعه على العود من قبل أحد ، خشيه من عازفي العود أمهرهم ، ومن الراقصات أجملهن ، سماسرة الأفراح وأصحاب البارات كانو يهابون الاحتكاك به ، على الجميع نافذ أمره ، أبـى مشاركة البارات وقت عُرِض عليه ، عن تمويل الحفلات وتنظيم كبيراتها أو صغيراتها امتنع ، حتى ازدراء تدريس العود حين عرض عليه لم يتجنبه .
لم يحترم في شبابه أحد ، وكذا فعل في شيخوخته ، الجميع عنده سواء ، لم يقدِّر سوى عوده .. ومهمته المقدسة ، تهذيب الجمهور وتقويمه ، والفرقة أيضا ، ومن قبل الجميع دلال ، نحيلة كانت أو ممتلئة ، ناهدة أو مكتنزة أو مستوية كأعمدة الرخام ، ذلك كله أم دونه ، كلهن دلال واحدة ، لن تقاوم تصويب نهديها للأضواء وتمديد مؤخرتها للجلوس مستصرخة ذكورتهم النطق باسمها ، عندها كان يبسط لجام جموحها فترة غير ممتدة ، دقائق نحيلة لتنفلت هي وجمهورها الرخيص ، ثم يبدأ التهذيب حسب مزاجه اليومي .
في البداية يشذ بأوتاره على عودِه ليسرق من الجميع الأعين والآذان ، ثم يترك أصابعه والأوتار يتفاهمون ، أحيان كثيرة يبدأ بأنغام متباطئة كسول مستثيرا حنق الجدد من الجلوس حتى يذكروا الدرس طويلا بعد ذلك ، وإذ تعالت منهم صيحات الاحتجاج ، قُطِعَ ذلك بضربات أوتار مرحة طفولية كـ " ماما زمانها جاية " أو " ذهب الليل " وأحيانا أخرى معزوفات وطنية كـ " بلادي بلادي " أو " خلي السلاح صاحي " باحترافية خلابة على أنغام حادة رفيعة من ألسنة العود فتسَّاقط ابتساماتهم رغما عنهم تباعا ، ويتلاشى الحنق السابق ليغزو القعود جو مرحٍ مداعب فتنفلت الضحكات سريعا ، ويتبع ذلك الميل أيضا فرقته التي يكره بعضهم بعضا ، فقط دلال وحدها تخفي حنقها وضحكتها خلف جسد عارٍ لامع من انعكاس النور على صبغات وجهها وثوبـها الشفاف ، وقبل أن يمل الجمور لعبته ، يعتدل في مجلسه ويتكيء على عرشه ليبدأ معزوفة الليلة .
أحيانا يستهل بـ " أنت عمري " أو " أنا هويت " أو " أمل حياتي " إن كان رائق البال ، وإن كان عَكِره يختار " فات المعاد " وربما " الهوان وياك "، وفي القليل من أيامه المميزة يختار تقاسيم من عزفه الخاص دون علم أحد ، مهما كان اختياره ، سينصت الجميع ، سيضعون أكفهم تحت الذقون كالأصنام ، ستحتبس أنفاسهم وتتحجر قلوب أعينهم في مقلِها صوب الملك حين تهبط يده على أول الأوتار وأغلظها جالدة دلال على ظهرها العاري الأملس لتدميه وتستره ، وتهبط يده على ثانيها مطوحة بعمائم وطرابيش فرقته تارة ومرممة من ميلها تارة أخرى ، ثم تنهمر أصابعه فوق الأوتار جميعها ممزقة كل الموجودين دون أدنى ضربات من شفقة ، يتعاشران ، يده والأوتار ، يتبادلان من الغرام ما لم يخضه من قبل عشاق فلا تميز أوتارا من أصابع ، يتلاشى الحضور والغياب ، لم يعد في البار من جمهور ، لم يعد في البار من بار ، بل لم يعد في الكون من أحد سواه ، وعوده ، وعندها ، يعجز الحاضرون عن تحريك أطراف أناملهم ولو لمجرد التصفيق ،
وعندها ،
تبتسم دلال رغما عنها ، تضحك دلال رغما عنها ، تصفق دلال رغما عنها في صبيانية وبراءة ، وييشتعل البار مناديا باسمه وتصفيقا بما لم تحظ بنصفه أي دلال أخرى من قبل ، فيمنحهم ابتسامة الرضى الأولى والأخيرة لهذه الليلة ، وينظر لدلال بـدلالٍ لحظي لن يدوم وهي مشدوهة بعد أن سرقت منها روحها لتبدأ الرقص على أنغام خاصة ، يختارها عودُه فقط .

هناك 21 تعليقًا:

dandana يقول...

عقبالى لما اعزف على عودى كدا

حبيتها
عشان فيها العود اولا واخيرا

زهرة الكاميليا يقول...

مرور للتحية

والسؤال عنك صديقى

سأذهب لقراءة ما فاتنى

فقد غبت كثيرا عن فنجان قهوتك



ملاحظة

أغنية البلوج
رائعة .. من أحب اغانى فيروز لقلبى


تركتك بود طاهر

حاول تفتكرنى يقول...

طلب مني احد الزملائء فى العمل قبل بدء الاجازة فى مصر أن اهدي إليه هدية تعرفه مصر

واثناء سيري فى شارع طلعت حرب ، ابتاع بعض الهدايا ، تذكرت طلبه والهدف من وراء الطلب ، فدخلت أحدي المنكتبات الكبري ، واشتريت له كتاب اسمه (ابن البلد) لصلاح جاهين

لو طلب من أحد ما شىء يدل على طعم مصر
سأعطيه عنوان مدونك

تحياتي

Rivendell** يقول...

مرحبا بالعودة العظيمة
تفاصيل الكلام والوصف تكتسح بجمال فائق الاهتمام والتركيز
رائع

DoDo يقول...

ايه قلة الادب ديه يا ميدو بس بجد حلوة وكمان الموسيقي ديه جميلة اوووووووي ....

يا مراكبي يقول...

وصف جميل ودقيق

لقد رأيت هذه الشخصية بالفعل .. لكن ليس في بار بالطبع

إنها حالة من العشق التي لا نفهمها نحن بسهولة

هيثم الكاشف يقول...

رائعه جدا و انسيابيه جميله في الالقاء :)
بحس ان الراجل ده عايش في أيام قصص نجيب محفوظ القديمه :D

همسات دافئه يقول...

يااه على الوصف!!!
بجد أبدعت ياأحمد
والدخلة قويه جداا
بس العنوان(رغم اني فى الأول قريته غلط) بس كان أحلى اني معرفتش هو مين غير فى النص

أصابعه والأوتار يتفاهمون
هي يتفاهمان(غلطة مطبعيه):)

يده والأوتار ، يتبادلان من الغرام ما لم يخضه من قبل عشاق فلا تميز أوتارا من أصابع ، يتلاشى الحضور والغياب ، لم يعد في البار من جمهور ، لم يعد في البار من بار ، بل لم يعد في الكون من أحد سواه ، وعوده ، وعندها ، يعجز الحاضرون عن تحريك أطراف أناملهم ولو لمجرد التصفيق
،
حالة رائعة أظن ان كل منها جربها اما مع عوده او قلمة او ريشته
برافو
تحياتي ليك:)
شيماء:)

إسلام يقول...

طبعا تعليقى مش هيضيف جديد دلوقتى لأنك سمعته قبل كده..بس اللى عاوز أقوله ان انا سعيد بالعودة دى بعد الوقت الطويل اللى منزلتش فيه أى بوست جديد

shayma يقول...

حمدلله عالسلامه
ايه الغيبه دى

وحشتنى كتاباتك
:))

محمد سلامة يقول...

شفت قد ايه يا احمد الناس كلها كانوا مستنين عودتك , ما تتأخرش علينا تاني بقى .
قصة رائعة يا احمد
أستمر بهذا التركيز و ستصبح واحد من الأدباء الفارقين في هذا الزمن

هانى سعيد يقول...

فعلا دى نماذج حقيقية وانا اتصادمت مع بعضها فى ارض الواقع
وصفك جميل وسردك للاحداث رائع
اتمنالك دوام التوفيق والتميز
تحياتى

moony يقول...

واااااااو,,
ليست المرة الأولى التى ابدى فيها اعجابى بكتاباتك وأسلوبك, لكن بلا ذرة شك, ان ما قرأته الآن "جد مختلف" ,أعيدها "جــــد مختـــــــلف"
بجد ايه ده,, اسلوب جديد تماما وجديد على حضرتك كمان, تركيبة الجمل مختلفة, شيقة وجديـــــــــدة جدا,,تقديم شبه الجمل اكسبها مهارة وحرفيه ومذاقا متجددا.
اظهرت دراية وحرفية وثقافة ونضجا مقطوع النظير.
واسمـــــــح لــــي سيــــدى:
بعد تصفيقى الحاد لهذا النص الماهر,أن اختلف معك وأعترض بنفس قوة إعجابى به اعترض بنفس القدر على صراحته وجرأته فى الفاظ كثيرة وددت لو لم أقرأها فى نص متميز كهذا,
حتى وان كان النص من وجهة نظرك "انسان على ورقة بيضاء",يتهذب بأدب من يتكلم عنه, يتحول إلى ساحر بقدر سحر وروعة من يصفه , ويبتذل بإبتذال الشخصية التي يتحدث عنها,فأنا لا اتفق مع فكرة ان يحمل النص الأدبى هذه الصور.تحياتي وتقديري..

camera_girl يقول...

هو ان اعايزه بس افهم ليه بتعيب وترجع مكنتش كده زمان اين غزارة الأنتاج ايها الأديب؟؟!! عالعموم فى نهاية الحلقه نحب نشكر كل من ساهم فى تحقيق الحلم العربى.....سماره جم و جيلى كوله

غير معرف يقول...

فقط مرور للتحية .. بوست جامد بس محتاج تفكير كتير وانا مش بفكر اليومين دولا

تحياتي

Eric Matt

إسلام يقول...

فين الجديد يا دكترة انت نمت مننا تانى و لا ايه؟

hamada يقول...

يفتح باب بيت المدونين ذراعيه لكل الموهبين في :
1/ القصة القصيرة
2/ الشعر بشتى أنواعه
3/ الرواية "رواية سنوية سنقوم بنشرها في الجريدة"
4/ المقال الصحفي
إذا وجدت في نفسك القدرة على المشاركة أرجوا التواصل معي على الميل التالي
arabicsabah@yahoo.com
شروط المسابقة
1/ ..............................
2/ .............................
3/ ..............................
لا يوجد شروط الشرط الوحيد هو العمل الجيد , والعمل المحترم البعيد عن الإسفاف
المقالات أرجوا أن تكون تخص الانسان العربي , تاريخه , عاداته وتقاليده , مقالات إجتماعية وثقافية ....
أرجوا التفاعل معنا في الجروب على العنوان التالي
http://www.facebook.com/group.php?gid=45202724108#/group.php?gid=78080770039

طير يقول...

Bravo!
رائع وصفك، شاهدته وسمعته الملك
ولو أن لفظة "ساقطة غرامه الأولى" جاءت مباشرة تعثرت بها أخرجتنى من المشاهدة



شكرا لك

محمد فكري يقول...

نصّ رائع يا ابو حميد :)
..
أسعدني المرور من هنا
..
دم بخير

moony يقول...

ليه الغيااااااااااب ده كله؟؟؟؟
أتمنى أن يكون المانع خير ان شاء الله.
تحيــــــــاتي...

بحب الحكومة يقول...

هيلة جدا _ دلال _ وحقيقى احييك عليها _دلال_ وموفق الى ابعد الحدود



انا بكتب دلال لان حسيت ان لازم اكتب الاسم فى التعليق عشان يبقى الاسم موجود كتير زى البوست فحبيت اساعد



تقبل مرورى